المقريزي
108
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
ويخرج منه قاضي القضاة في كل سنة مبلغا كبيرا من زكاة أموال الأيتام يرتفق بها الفقراء ، ويستعين بها أهل السّتر والطلبة المحتاجون . وفي ذلك يقول صاحبنا الأديب شهاب الدين أحمد ابن العطّار الدّنيسري ، رحمه اللّه : أمرت تركنا بمودع حكم * حنفيّ لأجل منع الزّكاة ربّ خذهم فإنهم إن أقاموا * نختشي يأمروا بترك الصّلاة فلما كان يوم الاثنين النصف من جمادى المذكور عقد مجلس عند الأمير الكبير برقوق في أمر المودع الذي قام الحنفيّة في تجديده ، حضر القضاة الأربعة والشيخ أكمل الدين محمد بن محمود شيخ خانقاه شيخو وهو يومئذ كبير الحنفية وعظيمها ، ولم يحضر شيخ الإسلام سراج الدين عمر بن رسلان البلقيني كبير الشافعية إذ ذاك ، فقام الشيخ أكمل الدين في ذلك المجلس قياما كبيرا في منع مودع الحنفية ، وتخاصم هو وجلال الدين جار اللّه قاضي القضاة الحنفية ، وتفاحشا في المقال ، وانقضى المجلس وقد جار الأمير برقوق من الغضّ من الشافعية ، وكان قد اجتمع به الشيخ المعتقد خلف الطّوخي ، وكان معظّما له ، معتقدا فيه الخير ، وخاشنه في الكلام بسبب ذلك ، وآخر ما قال له : يا أمير إن لم ترجع وإلا فبيننا وبينك سهام الليل . وقيل للأمير برقوق أيضا إن سبب قتلة الأمير يلبغا الخاصّكي أنه همّ بعمل ذلك لقاضي القضاة الحنفية ، وكان يومئذ جمال الدين عبد اللّه ابن التّركماني ، فرأى بعض الصالحين في منامه الإمام الشافعيّ ، رضي اللّه عنه ، وبيده فأس فقال له : يا إمام أين تقصد ؟ فقال له : أهدم الكبش ، يعني سكن الأمير يلبغا ، وأن الأمير يلبغا لم يقم به هذه الرؤيا سوى أحد وخمسين يوما وقتل ، وما زال الكبش خرابا إلى الآن . فخاف الأمير برقوق وطلب قاضي القضاة برهان الدين ابن جماعة في يوم الاثنين الثاني والعشرين من جمادى المذكور وألبسه تشريفا باستقراره على عادته ، وأن لا يخرج شيء عن حكمه على قاعدة من تقدّمه من قضاة الشافعية . فانتكى العجم لذلك نكاية بالغة ، وساءهم هذا لكثرة ما شنّع